"مخطط العمل الشامل" للجنرال نزار.

 

في شهر ديسمبر 1990، أثناء اجتماع برئاسة الجنرال نزار في بني مسوس، والذي دعي إلى حضوره كل من المسؤولين الرئيسيين للـ(أ.ع/SM)، أطلعنا وزير الدفاع على التدابير المتخذة لمعارضة(ج.إ.إ/FIS).

لقد صّرح لنا بأن لا يقع التسامح مع هذا الحزب إلا في حالة ما إذا لم يتجاوز نجاحه نسبة 30% في الانتخابات التشريعية التي كان مزمعا تنظيمها في 27 جوان 1991 وإلا فإن (ج.و.ش/ANP) سيضطر إلى "تحمل مسؤولياته" في حالة نجاح (ج.إ.إ/FIS) فلن يكون أمام قيادة الجيش إلا أحد الأمرين: إما الاستيلاء على السلطة مباشرة، وإما إقامة قيادة جماعية بواجهة مدنية. ولم يكن المرء يحتاج إلى أي جهد فكري كي يستنتج بأن الاختيار الثاني هو الذي سيحظى بالتفضيل، فالاختيار الأول يمثل الكثير من المساوئ الظاهرة(المسؤولية تجاه الرأي العام العالمي، ردود الفعل السلبية أو العكسية من طرف البلدان الغربية، واحتمال إقامة حظر على الدعم المالي الدولي...).

لقد كان مخطط إقصاء (ج.إ.إ/FIS) من الوصول إلى الحكم إذن معدا سلفا في ديسمبر 1990، ولم يبق إلا خلق الظروف المناسبة لوضعه حيز التنفيذ.

ذلكم هو الهدف من "مخطط العمل الشامل" المدبر من الثنائي (العربي بلخير ونزار) والمحرر من طرف مستشاري هذا الأخير (الجنرالان: محمد التواتي، وعبد المجيد تاغيت، هذا الأخير كان وقتها قائد "ق.ق.بح/CFN") وقد عُهد بتنفيذ المخطط إلى رئيس (ق.إ.أ/DRS) الجنرال توفيق والعقيدين إسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان، وفي نفس الوقت قُدم "مخطط نزار" هذا إلى رئيس الجمهورية والوزير الأول للتصديق عليه 23 ، لقد كان يتضمن عددا من التدابير التمييزية مثل:

-إبعاد كل الإسلاميين (باستثناء المتعاونين مع الـ"أ.ع/SM") من المناصب الحساسة.

-  تبني تقسيم (مفصل على المقاس) للدوائر الانتخابية (لحرمان التشكيلات الإسلامية من الامتياز بدون أية مواربة!)

-  المساندة المتعددة الأشكال لـ(ج.ت.و/FLN).

-  رشوة "التشكيلات الحزبية الديمقراطية" بفضل توفير الدعم لها، وفسح المجال الإعلامي أمامها، وخاصة التلفزيون.

ياله من تصور عجيب وغريب للديمقراطية، التي لا يُسمح بها إلا إذا ضُمن بقاء السلطة في أيدي الجنرالات..!! إن التداول على السلطة بالنسبة إليهم كان يعني استنساخ جبهة تحرير ثانية، يُحكم بواسطتها كما كان الشأن في السابق، أو القبول عند الاقتضاء بحزب "ديمقراطي" مُدَجّن، سهل الانقياد يكون رهن إشارتهم لتلقي أوامرهم بالسمع والطاعة!

وعندما تطرق إلى الفصل المتعلق بمحاربة "المتطرفين" أوصى الجنرال نزار، قائلا :" تقسيم التيارات الدينية باستفزاز أو استغلال، أو إحياء تناقضاتهم، وإذكاء الخلافات بينهم.

-تشويه صورة (ج.إ.إ/FIS)، والحط من قيمتها فيما يخص الحريات الديمقراطية، والحريات الفردية (...)

-استغلال جهل الإسلاميين المتطرفين بما يخص العلوم السياسية، والعلوم العصرية(...)

-التشكيك الإعلامي في قادة (ج.إ.إ/FIS) بنشر الصور والأقوال والخطب التي تثبت عجزهم وقصورهم عن معالجة المشاكل الاقتصادية الكبرى (...)

-توجيه الإعلام واستخدامه، بإشراف ومساعدة إعلاميين محترفين (...)

لقد كان هذا انحرافا خطيرا، فبأي حق تخول (و.د.و/MDN) لنفسها تحريض إطاراتها على أن يصبحوا خارجين عن القانون؟! ما هي الغاية من قرارها الخاص بإعداد "برنامج عمل نفساني"؟ إذا ارتكب الإسلاميون جنحا.. أليس بإمكان العدالة أن تعاقبهم؟ إذا كان الأمر يتعلق بالمتطرفين... ألم يكن الأحق والأصوب أن يعمد إلى القبض عليهم؟ لقد أطلعت العقيد إسماعيل العماري على بعض هذه التحفظات التي سجلتها على هذا المخطط المسمى "خاص" (لكونه لا يستهدف إلا الـ"ج.إ.إ/FIS") وقلت له لماذا هذه الإجراءات المنافية للديمقراطية؟ بما أن السلطات العمومية كان بوسعها أن لا تمنح الموافقة للجبهة الإسلامية سنة1989، وعلى كل حال فان دستور فبراير 1989 يعطي لرئيس الدولة صلاحية حل البرلمان فكان جواب رئيس (م.ج.م/DCE) في خلاصته هو: "يجب تنفيذ الأوامر دون طرح الكثير من الأسئلة، لا ينبغي للجزائر أن تسقط في قبضة الأصوليين، إن المستقبل هو أنتم، ستكونون قادة الغد، يجب إزاحتهم تماما عن طريقكم إذا أردتم أن تتحكموا في مقاليد البلد".

لقد قفز إطارات (ق.إ.أ/DRS) قفزا على هذه الفرصة، وتحمسوا كثيرا لوضع هذا المخطط الفذ "مخطط العمل الشامل " حيز التنفيذ لاسيما أنه كان يمثل ترقية سهلة، ميزانية غير محدودة، ووعود بامتيازات متنوعة (مضاعفة علاوات عناصر مجموعة العمليات الخاصة، استفادة الإطارات المرؤوسين بالسكنات...) لقد كان إضعاف (ج.إ.إ/FIS) كهدف مكلف بتحقيقه (ق.إ.أ/DRS)، يتطلب وجود ضباط مختارين بصرامة، تُراعى فيهم أهمية تطبيق الأوامر دون اعتراض. إن من أولى النتائج التي أسفر عنها تطبيق " مخطط عمل " الجنرال نزار كان إبعاد الضباط الجامعيين المنعوتين بالمعربين.

فبعضهم إما طردوا كالنقيب حسين وشطاطي المدعو"سليم"على سبيل المثال وإما جمدوا في مهام لا علاقة لها بكفاءتهم واختصاصهم، كتعيينهم في وحدات (ج.و.ش/ANP) أو في وظائف تبعث على السخرية، كالنقباء: سمير (رئيس سابق "م.أ.ق/BSS" مكتب أمن القطاع ببرج بوعريريج) ودحمان بن دحمان (رئيس "م.أ.ق/BSS" بسطيف) وعبد الحميد خروفي المدعو"حسني" ولطفي وغيرهم...

فبالنسبة إليّ كعسكري منضبط، حتى لو لم أكن مقتنعا تماما بضرورة مخطط كهذا، فما كان لي بد من أن أسير معهم في الخط ! لقد نجح الرؤساء بالفعل أن يوهمونا (وهو ما لم أكن مقتنعا به أبدا في البداية) أن الجمهورية كانت في خطر، وأن الإسلاميين كانوا مدعومين ماليا وسياسيا من قوى أجنبية، وأنهم كانوا سيعدمون كل رجال الـ(أ.ع/SM) في حالة ما إذا استولوا على الحكم، وأنهم كانوا يريدون زعزعة استقرار البلاد، وتعريض مؤسساتها إلى الخطر الداهم..

باختصار هذا هو الخطاب الإيديولوجي الذي استعمل لتجنيد العسكريين والتأثير على جزء من المواطنين.

لقد فعلت حملة التسميم هاته إذن مفعولها، إذ سرعان ما تجند كل الضباط وراء القيادة. بل وأننا كنا في الخطوط الأمامية: فالأمر –كما كنا نقول– يتعلق بـ" الدفاع عن مؤسسات الجمهورية، والشرعية الدستورية" إن الحرب ضد الـ(ج.إ.إ/FIS)، (أؤكد هنا الحرب ضد الـ(ج.إ.إ/FIS) وليست ضد الإسلاميين، وسأعود إلى تفصيل هذا الموضوع لاحقا) قلت الحرب إذن أصبحت حقيقة !

لقد كانت إحدى المهمات الأولى لـ(ق.إ.أ/DRS) في هذا هي تنفيذ توصية "مخطط نزار " وهي تشجيع "تقسيم التيارات الدينية بالاستفزاز أو بالاستغلال، أو إحياء تناقضاتهم، وإذكاء الخلافات بينهم..." ففي آخر 1990 ولهذا الغرض أعاد الجنرال توفيق "تنشيط" الرائد عبد الرحمان بن مرزوقة (هو نائب مـدير سابق في الأمـن الداخلي مكلف بالتحليل، وقد وضع على الهامش بعد ذهاب الجنرال بتشين، بتهمة أنه كان مقربا من هذا الأخير) وكلفه باسم "التحالف ضد الأصولية" (يعني "ج.إ.إ/FIS") بربط الصلة مع الشيخ محفوظ نحناح، رئيس جمعية الإصلاح والإرشاد الخيرية، لكي يحولها إلى حزب سياسي، لمواجهة التأثير المتصاعد لـ(ج.إ.إ/FIS)، وقد قبل الشيخ نحناح الاقتراح بإنشاء حزب"حماس " الذي سيصبح فيما بعد "حمس"(حركة مجتمع السلم) 24 وهذا بالرغم من اعتراض نائبه الشيخ محمد بوسليماني الذي أكد أن "السياسة تدنّـس الضمير" وفضل أن يبقى على رأس جمعية الإرشاد والإصلاح، بعيدا عن "دسائس السياسيين" 25.

لقد كنا وقتها غير شاعرين بخطة "نجدة" الوطن التي دشن انطلاقها سنة 1990 لتفادي إغراق البلاد في عهد "الظلامية" لم نشعر وقتها إذن بأن هذه "الخطة" ستوصل الجزائريين إلى مواجهة أهوال حرب أهلية دموية شنيعة.!!

 

إنشاء هيكل غير قانوني

في مديرية الجوسسة المضادة (م.ج.م/DCE)

 

منذ ذلك الوقت لم يكن العسكريون من (أصحاب القرار) يحرصون على العمل النفساني والتشويه الإعلامي فقط، بل شرعوا  جهارا، نهارا في القيام بعمليات على هامش القانون!!

وهكذا فبعد وقت قصير من محادثاتنا في آخر أكتوبر 1990، أنشأ إسماعيل العماري داخل (م.ر.ع/CPO) "شعبة حماية"، هذه المؤسسة أو هذا الهيكل الذي لم يكن له أي طابع قانوني ولم يكن حتى منصوصا عليه في منظام (م.ج.م/DCE)، زيادة على أنه يفتقد لمبررات وجوده، ذلك أن مهمة حماية الشخصيات أو الممتلكات كانت توجد لدى مصالح الأمن من قبل ذلك ممثلة في مصلحة الأمن الرئاسي! ومجموعة التدخل الخاصة(م.ت.خ/GIS)، وكذلك المديرية العامة للأمن الوطني (م.ع.أ.و/DGSN)، والدرك الوطني.

وقد عهد "بشعبة الحماية" هذه إلى الملازم معاشو، وكانت تشتمل في البداية على حوالي ثلاثين عنصرا وتتلقى أوامرها مباشرة من إسماعيل العماري، وللتمويه على الأهداف الحقيقية لهذه المؤسسة (التي ستوحي لهم لاحقا في مارس 1992 بإنشاء "سرايا الموت" السيئة الذكر والمنحوسة، التابعة (م.م.أ.ج/DCSA)، (وسأعود إلى ذلك في الفصل السابع) فإن رجالها (وكلهم ضباط صف محنكون) كانوا معينين رسميا كحراس شخصيين، وسائقين لدى الجنرالات خالد نزار (الذي كان سائقه المساعد عيسى، واسمه الحقيقي حنان بوعمر، وهو عضو قديم في مصلحة المراقبة) العربي بلخير، عبد المالك ڤنايزية...الخ.

لكن كانوا أيضا يقومون بحماية الشخصيات المقربة من المصالح وكذلك المتعاملين والموظفين الموثوقين الذين كانوا "ينشطون" في دواليب العدالة، أو داخل الأحزاب السياسية كالوكيل العام في العاصمة عبد المالك السايح، أو أحمد مراني أمين مخزن سابق في معهد باسطور بمدينة الجزائر، وإمام سابق أصبح فيما بعد مسؤول لجنة الشؤون الاجتماعية في (ج.إ.إ/FIS). 26

وقد تلقى الملازم معاشو بسرعة "صلاحيات" جديدة، وعناصر الشعبة "الشبح " الذين لم يكونوا معينين لحماية الشخصيات كانوا حاضرين في كل مكان: ميناء الجزائر، مطار الدار البيضاء، الفنادق الضخمة بالعاصمة... مهمتهم مراقبة الحاويات، إدخال الناس وإخراجهم بدون أوراق هوية، من الميناء أو المطار، حجز الغرف في الفنادق، مرافقة "الزوار" (رجال أعمال لا يمرون على مراقبة شرطة المطار والحدود، مستشارون أجانب، أشخاص مبعوثون من العقيد محمود سوامي مسؤول (ق.إ.أ/DRS) بباريس، أفراد من ذوي الهويات التي لا ينبغي أن تعرف رسميا...). وكان هؤلاء الأفراد يقدمون تقاريرهم وعروضهم مباشرة إلى (م.ج.م/DCE) دون أن يخطروا لا الرائد ڤطوشي، ولا أنا !

الجواب، الذي لم أعرفه إلا متأخرا، هو أن رئيس (م.ج.م/DCE)، وبضمان الجنرال توفيق، كان قد انتقى عناصر مطواعة وموثوقة، تنفذ المطلوب منها دون أي تردد أو أدنى تفكير أو عبوس أو حرج أو ضمير!!

لقد كان هؤلاء المنفذون من مستوى ثقافي دون المتوسط يتصرفون كالمرتزقة، مشدودين بإغراءات ومحفزين بترقيات، وفتح حسابات بالعملة الصعبة... وستلعب هذه المؤسسة أثناء سنوات الحرب التي أعقبت توقيف المسار الانتخابي في يناير 1992 دورا خطيرا، سأعود إلى تفصيل الحديث عنه لاحقا.

 

إسلامي في خدمة الـ(أ.ع/SM)!

 

منذ الشهور الأولى لاستلام وظيفته الجديدة على رأس (م.ج.م/DCE) بدأ المقدم إسماعيل العماري يبرهن على تصميمه وحزمه وعزمه على التدخل مباشرة ليس لاختراق الإسلاميين فحسب، ولكن أيضا لاحتوائهم واستعمالهم! ولعل قضية "ب" والتي لم يُعلن عنها أبدا خير مثال على ذلك: فهذا الإسلامي النشيط في الاتجار، قد أصبح في هذا العهد عميلا متعاونا مع الـ(أ.ع/DCE) (وحتى أكون دقيقا مع إسماعيل العماري) وذلك لترقية مستواه الاجتماعي. ففي غضون شهر يوليو 1990 رفع لي أحد رجالي وهو الملازم عبد المالك والذي كان يغطي منطقة الدار البيضاء تقريرا عن حركية أحد الإسلاميين يدعى "ب" مناضل (ج.إ.إ/FIS) في أحياء شرق العاصمة، والذي نظم عملية استيراد أجهزة الاتصالات اللاسلكية من نوع (طالكي والكي، راديو...) موجهة إلى الإسلاميين في ناحية برج الكيفان، معقل جماعات التكفير والهجرة.

وعند قراءة التقرير لاحظت أن هذا الاسم ليس غريبا علي، لقد تذكرت أنني في فترة مكوثي القصير على رأس نيابة (م.ج.م/DCE) في (م.ع.ت.أ/DGDS) في فبراير 1990 علمت أن هذا الشخص قد أخبرنا عنه من طرف مصلحة الاستخبارات الإيطالية بأنه حاول أن يُدخل إلى الجزائر سلاحا، كان قد اشتراه من إيطاليا. طلبت حينها فحص وضعية "ب" لقد كانت شكوكي مؤسسة: فأثناء القيام بتفتيش مسكنه، اكتشفنا سلاحا ناريا ووثائق مورطة (وصل طلب أسلحة، فواتير...) وهي أدلة تثبت دوره على رأس شبكة لإمداد بالأسلحة نحو الجزائر.

وكانت أيضا مصلحة الشرطة القضائية للمديرية العامة للأمن الوطني تريد أن تقبض عليه في إطار تحقيق تم إجراؤه في سبتمبر 1990 على السيارات الفخمة المسروقة في الخارج، لأن "ب" كان يتجول على متن سيارة من نوع بيجو 605 "طايوان" 27

لقد تطلبت هذه القضية شهرا من البحث والتقصي لجمع الأدلة وحبك الملف القضائي.. وفي بداية سبتمبر 1990 ألقي القبض على "ب" من طرف الشرطة القضائية للـ(أ.ع/SM) (التي كان مقرها في مركز عنتر...) ولكن في الوقت الذي كان مقررا أن يقدم إلى العدالة، قدم رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS) الجنرال محمد بتشين استقالته، وأعيد إثر ذلك تنظيم المصالح لإنشاء مديرية الأبحاث والأمن. وعندما عين إسماعيل العماري على رأس (م.ج.م/DCE) استعاد القضية "ب" إلى يديه. غير أنه بدلا من تقديم "ب" إلى المحاكمة "عرض عليه صفقة، وهي طي ملفه، والسماح له باستئناف نشاطه التجاري في" الاستيراد والتصدير" مقابل التعاون مع الـ(أ.ع/SM) وهو ما قبله بسهولة.

وكاعتراف بالجميل لإسماعيل أهداه سيارة من نوع (سيطروان بي إكس) بُنّية اللون، وكانت أول سيارة مصفحة يملكها ضابط جزائري. وقد كان "ب" في كرمه سخيا إلى درجة أن سيارته (بيجو605) كثيرا ما كانت "معارة" لضباط الـ(أ.ع/SM) للقيام بمهام محدودة، أو لاحتياجاتهم الخاصة منذ يناير 1991. وبصفتي قد عالجت شخصيا هذا الملف فقد أبلغت وقتها رئيس ديوان إسماعيل العماري النقيب عمر مرابط، والرائد عمار ڤطوشي، برفضي لهذه التصرفات. وحينها تأكدت بأن "ب" قد جند بالفعل من طرف رئيس (م.ج.م/DCE). لم أكن موافقا على قيام هذا الأخير بالتفاوض مع أشخاص تحوم الشكوك حولهم، و"إدخالهم في الدائرة" لاستعمالهم فيما بعد كعملاء، بدلا من ترك الإجراءات القضائية تأخذ مجراها لينال كل مدان جزاءه على ما ارتكبه من جنح... وبالطبع لم أتلقّـى أي جواب على احتجاجي هذا.

في نهاية 1990 أصبحت نوايا ومقاصد (أصحاب القرار) إذن واضحة: فلمواجهة الاحتجاجات، وبدل الاغتيال، كان لا بد من تحييد – إن لم يمكن استعمال – المحركين والقادة، إما بالاستعادة السياسية (حالة الساسي لعموري، محفوظ نحناح، سعيد قشي...) وإما إثراؤهم بإعطائهم محلات تجارية، منشآت وصفقات تجارية (حالة سرار في سطيف، زبدة بن عزوز، أحمد مراح...) وسأعود إلى الحديث عن هؤلاء الأشخاص، والشبكات الزبائنية التي أنشأها إسماعيل العماري، عندما أتطرق (في الفصل السادس) إلى المرحلة التي سبقت تكوين (ج.إ.م/GIA).

 

3

 

 

1991، الـ(أ.ع/SM) يـسـيـطر على الجمـاعـات الإسلاميـة المتطرفـة

 

 

في النصف الأول من سنة 1991 كنت شاهدا مباشرا على تجسيد "أصحاب القرار" لرغبتهم في احتواء الإسلاميين المتطرفين، واستعمالهم لإفقاد (ج.إ.إ/FIS) اعتبارها في الساحة الوطنية وقد تمثل ذلك بالفعل في مواصلة تطوير خطة معدة سلفا (في حالة ما إذا...) ولقد كان المستهدف الأول في هذه الخطة هم نشطاء الحركة الإسلامية الذين كونوا في بداية 1980 "الحركة الإسلامية الجزائرية"(ح.إ.ج/1MIA) المعروفة عموما بـ "البويعليين". وإن هذا التذكير يتطلب منا الرّجوع قليلا إلى الوراء.

 

كيف أحيت مصالح الأمن

الحركة الإسلامية الجزائرية (ح.إ.ج/1MIA) ؟

 

لقد تكونت (ح.إ.ج/1MIA) سنة 1982 من طرف مصطفى بن بويعلي 28 وهو مناضل بارز من أجل القضية الإسلامية، لقد كان هذا المجاهد القديم (في حرب التحرير الوطنية) موظفا في الشركة الوطنية لصناعة الأجهزة الكهربائية في مدينة العاشور مسؤولا عن مصلحة الصحة والأمن، ولقد أخنقه الانحراف الكلي للنظام، ونتيجة تعرضه لسلسلة من الاستفزازات والتحرشات من طرف الـ(أ.ع/SM)، والشرطة بسبب آرائه السياسية، قرر الانتقال إلى العمل السري، وأنشأ حركة مسلحة في جنوب غرب الجزائر العاصمة مع مجموعة تضم حوالي 30 رجلا (من بينهم عبد القادر شبوطي وعز الدين بعة، وأحمد مراح، وملياني منصوري) وقد كانت هذه الجماعات تتصدى لوحدات الدرك الوطني، و(ج.و.ش/ANP) قرابة خمس سنوات كاملة، وفي 3 يناير 1987 لقي مصطفى بويعلي مصرعه ناحية مدينة الأربعاء نتيجة وشاية وقد تم القبض على معظم رفقائه وحوكموا في خضون السنة ذاتها بمحكمة أمن الدولة بالمدية، فكانت الأحكام ضدهم تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد، وقد عرفوا سجون البرواڤية، والأمبيز (باتنة)، والحراش، وتيزي وزو وغيرها، ثم شملهم العفو العام الذي أصدره الرئيس الشاذلي بن جديد في أواخر سنة 1989 لصالح الانفتاح الديمقراطي.