اغتيال رهبان تيبـحيرين

 

ولكن الجنرالات لا يتخلون عن ممارسة الضغط على فرنسا كما يدل على ذلك اختطاف الرهبان السبعة في معبد تيبحيرين ليلة 26 و27 مارس 1996 ثم إعدامهم لاحقا في 21 ماي. إن الرهبان كانوا معروفين ومحترمين في ناحية المدية، كانوا يقدمون المساعدات بانتظام للإسلاميين الذين التحقوا بالمقاومة في الجبال هناك. ففي 25 ديسمبر 1993 كان أمير الـ(ج.إ.م/GIA) المحلي سايح عطية قد ذهب إلى المعبد وقدم عهد أمان للرهبان، ومقابل تلقي الدعم منهم(مواد غذائية، أدوية، إرسال الأطباء لعلاج الجرحى...) تضمن(ج.إ.م/GIA) أمنهم، وزيادة على ذلك فإن الرهبان قد قاموا بدورهم في تنظيم ندوة سانت أجيديو سنة 1994 وهو ما جعلهم هدفا للجنرالات، وبمجرد اختطافهم قامت السلطة والصحافة بإلصاق العملية بالـ(ج.إ.م/GIA) التي كانت حينها تحت قيادة "الأمير الوطني" جمال زيتوني (وبعد شهر من ذلك في 12 أفريل صدر بيان من الـ(ج.إ.م/GIA) بإمضاء هذا الأخير يتبنى عملية الاختطاف) ولقد سبق أن ذكرت بأن جمال زيتوني كان يعمل لحساب (ق.إ.أ/DRS)، وهو ما يجعل مسؤولية مصالح المخابرات الجزائرية كاملة في اغتيال الرهبان السبعة.

ولم يتأكد ذلك إلا في السنوات اللاحقة عندما كشف ضباط جزائريون منشقون عن تورط(ق.إ.أ/DRS) في اختطاف وقتل الرهبان. ففي 1998 كتب المعلق الديني في جريدة لوموند الفرنسية مقالا "موثقا جدا" يقدم الفرضية القائلة بأن "الجيش - أو قطاعا من الجيش، أو من مصالح الاستخبارات الجزائرية- كان قد اخترق منذ البداية الخلية التي اختطفت الرهبان، وقد سارت الأمور بكيفية سيئة، فتقرر تصفية الجميع في النهاية بمن فيهم الرهائن الذين لم يكن في فائدة أحد أن يعودوا أحياء بما كانوا سيكشفونه من أسرار عن مختطفيهم."116

وقد تأكدت هذه الفرضية في ديسمبر 2002 من طرف شاهد جديد ذو ثقل في الموضوع وهذا الشاهد هو عضو قديم في (م.إ.ب.ت/CTRI) للبليدة المساعد عبد القادر تيڤة المسجون منذ 2001 في بانكوك. ففي مقابلة مع اليومية الفرنسية ليبراصيون 117 قدم تيڤة رواية مفصلة عما كان شاهدا عليه في ذلك الوقت.

ومما ورد في كلامه أن يوم 24 مارس1996 قضى مولود عزوط وهو "إرهابي في الـ(ج.إ.م/GIA)" ويعتبر الذراع الأيمن لجمال زيتوني الليلة في (م.إ.ب.ت/CTRI) بالبليدة وقد استقبل في اليوم التالي لمدة ساعتين من طرف الجنرال إسماعيل العماري شخصيا برفقة أربعة ضباط من بينهم العقيد مهنة جبار رئيس المركز المذكور، وفي المساء جهزت شاحنتان صغيرتان عاديتان من نوع بيجو ج5، من النوع الذي يستخدم عادة في عمليات التوقيف، للذهاب كما قيل "في مهمة خاصة إلى المدية" وخلال ليلة 26 أو 27 مارس عادت الشاحنتان إلى (م.إ.ب.ت/CTRI) بالرهبان السبعة المخطوفين. وقد تم استجواب "الرهائن" من طرف مولود عزوط قبل أن ينقلوا بعدها بيومين إلى "تالة عشّة"، مركز قيادة جمال زيتوني في مرتفعات البليدة. ولكن الأمور تعقدت كما يذكر تيڤة بسبب تنافس بين الجماعات المسلحة كما أوردت جريدة ليبراصيون بأن "حسين بسيو، المعروف أكثر باسم أبو مصعب، الذي يقود إحدى جماعات منطقة البليدة – بوڤرة - سيدي موسى - براقي، طلب من زيتوني أن يسلمه الرهبان. وهي غنيمة لا يمكنها حسب جغرافية الجماعات المسلحة، إلا أن تضمن السيطرة والنفوذ. "زيتوني وعزوط رفضا رفضاً قاطعا نقل الرهائن نحو بوڤرة، لكنهم يكونون قد أذعنوا إلى ذلك عندما أيد قيادات الـ(ج.إ.م/GIA) هذا الطلب" كما قاله تيڤة". وعندما أحس (ق.إ.أ/DRS) بأن العملية بصدد الإفلات من يده قرر تصفية الشاهدين الأساسيين، فعزوط اختفى دون أن يترك أي أثر وجمال زيتوني الذي تلقى الأمر بإحضار الرهائن سقط في كمين نصبه عناصر (جش.إ.إ/AIS). وهكذا تم محو كل آثار من شأنها أن تثبت تورط مصالح الاستخبارات الجزائرية. فموت جمال زيتوني سيتأخر الإعلان عنه ليوليو 1996 أي بعد مدة من الإعلان عن موت الرهبان السبعة.

لكن تيڤة لم يقل لماذا ومَنْ قتل الرهبان، لاشك لأن تيڤة يجهل ذلك، وهذا بالذات ما حاول تصوره (أو إعادة تشكيله) الأب أرمان فايو Armand Veilleux في مقال طويل منشور في جريدة لوموند في بداية سنة 2003 118 وكما ذكر لوموند:" لقد كان أرمان فايو نائبا عاما في الكنيسة السيستيرية الطرابية cistercien trappiste أثناء وقوع عملية اختطاف رهبان تيبحيرين وبهذه الصفة تنقل عدة مرات إلى الجزائر حيث كان في هذه الفترة هو المتخاطب مع السلطات الفرنسية، ومن ذلك الوقت لم يتوقف عن العمل من أجل تسليط الضوء على هذه الفاجعة"

وبمطابقة شهادة تيڤة، مع شهادات أشخاص آخرين (بمن فيهم شهادة علي بن حجر، هذا الأمير السابق للـ(ج.إ.م/GIA) الذي انفصل عنها سنة 1996 عندما أدرك أن جمال زيتوني كان مسيرا من طرف "ق.إ.أ/DRS"، قدم الأب أرمان فايو السيناريو الذي يعتبره "الأقرب إلى الحقيقة" عن اختطاف وموت الرهبان، ومفاده أن عملية (ق.إ.أ/DRS) لم تكن تستهدف تصفية الرهبان تحديدا لكن ساءت الأمور بعد ذلك نتيجة خطأ في التنسيق ومن خلال تجربتي الشخصية فإن شهادة تيڤة وتحليل الأب أرمان فايو تبدو لي في غاية الصدق، صحيح أنه هناك العديد من النقاط التي بقيت في حاجة إلى توضيح ولا يمكن التوصل إلى ذلك إلا عن طريق القيام بإجراء تحقيق مستقل، ولكن الذي يؤكد تماما أطروحة "ضربة قذرة" من طرف الـ(أ.ع/SM) هو الصمت السياسي العجيب المريب الذي ساد في فرنسا (كما في الجزائر) عقب نشر شهادة تيڤة في جريدة ليبراصيون وكذلك مقال أرماند فايو في جريدة لوموند. فلو حدث اتهام مثل هذا في أي بلد في العالم، (من جريدة كبيرة معروفة بتحقيقاتها الجدية، ومن طرف شخصية مشهورة في الكنيسة الكاثوليكية) لمصالح استخبارات دولية أجنبية فتورّطها في اغتيال رعاياها، لأدى إلى فضيحة وطنية، ولزعزع مكانة أعلى السلطات في الدولة. ولكن هذا ليس في فرنسا حيث توجد علاقة ذات طبيعة خاصة جدا بين مصالح (ق.إ.أ/DRS) الجزائرية والطبقة السياسية في باريس تفسر أن الأولى بإمكانها أن تسكت الثانية...

ذلك أنه لا ينبغي الانخداع، ففي 1996 وبعيدا عن كل هذه الأهداف المباشرة (التخلص من مقلقين) فإن اختطاف الرهبان كان كذلك "رسالة" من رؤساء(ق.إ.أ/DRS) تجاه نظرائهم الفرنسيين لتبين لهم بوضوح ضرورة التوقف عن الذهاب بعيدا في تحقيقاتهم عن تفجيرات 1995 في فرنسا. إن هذه القدرة على الإضرار كانت رادعة مثلما سنراها في السنوات اللاحقة مع حالة علي توشنت (الذي لم يمسه "د.س.ت/DST" ولا الشرطة الفرنسية) وكذلك أيضا مع العديد من الأحكام الصادرة ضد الأشخاص الثانويين للـ(ج.إ.م/GIA) في فرنسا، لصرف النظر عن المدبرين الحقيقيين الذين ظلوا دائما أحرارا خارج دائرة الاتهام والقضاء والعقاب!

يجب القول أنه بعد بضعة أسابيع من اغتيال الرهبان، أرسلت "رسالة" أخرى من طرف(ق.إ.أ/DRS). ففي أول أوت 1996 سقط أسقف وهران مون سينيور بيير كلافري Mgr Pierre Claverie ضحية انفجار قنبلة، وهو عائد من الجزائر، حيث كان قد استقبل من طرف الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية هيرفي دو شاريط Hervé de Charrette الذي كان يقوم بزيارة رسمية إلى الجزائر(علما أن الأسقف كلافري كان قد اعترض بشدة أمامه على الرّواية الرسمية لفاجعة اغتيال الرهبان) إن العديد من الصحفيين الذين حققوا في هذه القضية قد بينوا بكل وضوح أن القائمين بهذا الاعتداء كانوا على علم جيد بتنقلات الأسقف ورحلته التي أجلت بغتة لعدة ساعات، من يستطيع أن يعرف ذلك؟ من له فائدة في تصفيته؟ من يستطيع أن يضع قنبلة ذات نظام التفجير عن بعد في الأسقفية مع أنه مكان خاضع لحراسة مشددة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها لا تترك مجالا لأي افتراض آخر لأنها إحدى " العمليات الدنيئة" لـ(ق.إ.أ/DRS).

وأخيرا يقع اعتداء آخر في باريس يوم 3 ديسمبر 1996 "ليدق المسمار" إلى الأعمق، وهو تفجير قنبلة في عربة القطار على الخط (ب) في محطة (بورت روايالPorte Royal) خلف أربعة قتلى، و128 جريحا.

وفي 23 ديسمبر وجهت رسالة من إمضاء عنتر زوابري إلى الرئيس جاك شيراك لتبين أن الـ(ج.إ.م/GIA) كانت "تسلك طريق التقتيل، والمذابح"...

ونستخلص قطعا من خلال هذا التكرار الموجز، بأن قضية الأيرباص وتفجيرات فرنسا، وكذلك اغتيال الرهبان، قد أدت كلها إلى قلب الرأي العام وإلى إخماد ولعدة سنوات أي محاولة محتشمة من طرف أغلبية الصحافة والطبقة السياسية الفرنسية في التطرق إلى النتائج الفظيعة لتوقيف المسار الانتخابي من طرف جنرالات الجزائر المدبرين لانقلاب يناير 1992.

إن هذه الأحداث المأساوية التي نجمت عن التباين واختلاف الرؤى بين "الصقور" الاستئصاليين، وأنصار المصالحة كانت تنذر فعلا بالمجازر الواسعة النطاق التي ستحدث سنة 1997. فأي محاولة للعودة إلى السلم قد تم تخريبها من طرف الجنرالات وأدواتهم الدعائية، لكي تسود الفوضى وتضمن ديمومة النظام إلى مالا نهاية!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

10

شخصيات في مستويات عليا

 

لقد سبق أن تطرقت إلى هذا الموضوع مرارا، فبالتوازي مع انطلاق العنف المدعوم بقوة من أصحاب القرار ابتداء من 1992، حيث قام هؤلاء ولم يترددوا بصفة مباشرة أو بواسطة إسلاميين مستعملين في تصفية شخصيات كانت تعارض سياستهم ومثلما كانت تتم هذه التصفيات في صفوف المعارضة بالطبع كانت تطال كذلك صفوف النظام ذاته وفي أعلى المستويات. لا ادعي هنا أنني سأسرد كل تلك الاغتيالات التي دبرها النظام منذ توقيف المسار الانتخابي، ولاشك أن الوحيدين الذين يعلمون بكل تلك التصفيات هم الجنرالات: توفيق، إسماعيل العماري والعربي بلخير بصفتهم المدبرين والموجهين، والحامين! فسر هذه الاغتيالات ظل دائما محافظا عليه وخاصة عن طريق الفصل والحواجز الموضوعة بين مختلف إدارات وأقسام (ق.إ.أ/DRS)، ومع ذلك فقد مكنتني وظيفتي من جمع معلومات دقيقة وقاطعة، حول بعض هذه الحلقات المأساوية، ابتداء من أكثر تلك الاغتيالات المشهدية والتي تعتبر إلى حد ما تدشينية في السلسلة وهي اغتيال رئيس (م.أ.د/HCE) محمد بوضياف، ذات يوم في 29 جوان سنة 1992.

 

اغتيال محمد بوضياف

 

لنتذكر ظروف تلك الفاجعة، ففي ذلك اليوم إذن قام الرئيس محمد بوضياف بزيارة رسمية إلى عنابة والذي لم يكن مرفوقا بأي مسؤول رفيع المستوى من رجال النظام (لا رئيس الحكومة ولا وزير الداخلية ولا أي واحد من أعضاء الـ(م.أ.د/HCE)، ولا مسؤولي مصالح الأمن) وقد اغتيل من طرف ضابط من ضباط حراسته المقربين وهو يلقي خطابا منقولا على الهواء مباشرة في التلفزة الجزائرية، من دار الثقافة (التي كان قد أشرف على تدشينها في ذلك اليوم) وحسب الروايات الرسمية وكذلك حسب وسائل الإعلام قد نسبت هذا الاغتيال في الوهلة الأولى "إلى ضابط من (ق.إ.أ/DRS) متعاطف مع الـ(ج.إ.إ/FIS) " قبل أن يتداركوا ذلك مستخلصين بأنه "فعل منعزل" وأن القاتل كان ضابطا في (م.ت.خ/GIS) (مجموعة التدخل الخاصة. وحدة التدخل التابعة لـ "ق.إ.أ/DRS") هو الملازم لمبارك بومعرافي المدعو عبد الحق، والذي كان قد أضيف في آخر لحظة إلى المجموعة المكلفة بضمان حماية الرئيس، وهذا بعد أن تم استقبال هذا الأخير على انفراد قبلها ببضعة أيام من طرف العقيد إسماعيل العماري رئيس(م.ج.م/DCE) في مركز عنتر حاملا أمرا بمهمة موقعا من طرف الرائد حمو بلويزة، رئيس (م.ت.خ/GIS)، التحق بباقي أعضاء المجموعة في عنابة يوم 27 جوان، بعد أن قام بإلقاء القنبلة اليدوية على المنصة للتمويه برز القاتل من وراء الستار الخلفي ليفرغ خزان رشاشه الآلي على الرئيس الضحية الوحيدة والفريدة في هذه العملية، وقد استغل القاتل حالة الفوضى والهلع ليتخلص من سلاحه قبل أن يقفز من على صور يحيط بالمكان لارتفاع مترين ويلجأ إلى منزل إحدى المواطنات على بعد 400 متر من مكان الحادث حيث قام بالاتصال هاتفيا بالشرطة وسلم نفسه لها أسيرا.

والشيء الذي لا يصدق أبدا هنا هو عدم تبادر إلى ذهن أي واحد من أفراد الحرس الرئاسي الذين كان يبلغ عددهم ستة وخمسين عنصرا، أن يقوم بأي رد فعل للقضاء على القاتل لحظتها.

إن تأثير المفاجئة لا يفسر كل شيء، لأننا إذا اقتنعنا بأن الحرس القريب يمكن أن يستفيد من هذا التبرير مع أنهم ذوو خبرة عالية ومدربون على هذا النوع من الحالات، فماذا نقول عن الحرس البعيد الذي كان يراقب المكان من الخارج، كل الأبواب والمنافذ والأزقة المحاذية...الخ. لماذا لم يتدخلوا؟ كيف أمكن لبومعرافي أن يغادر دار الثقافة ويقطع مسافة 400 متر بكل اطمئنان في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون كل المحيط مطوقا من مصالح الأمن؟ وتسمى هذه الدائرة "بالمحيط الأمني". فهل استفاد ضابط (م.ت.خ/GIS) بتواطئ ما؟ لا يمكن الشك في ذلك أبدا حتى أن لجنة التحقيق التي انطلقت في 4 يوليو 1992 قد "تأسفت" عن السياسة المتواطئة لعناصر (م.ت.خ/GIS). بل أن أحدهم وهو علي دريهم قد أطلق النار وأصاب الشرطي ناصر حمادي الذي انطلق في أعقاب بومعرافي متسببا في إحداث موجة جديدة من إطلاق النيران داخل قاعة دار الثقافة، مما مكن بومعرافي من الهروب على راحته وبكل اطمئنان، هذا الأخير الذي لم يبح أبدا بالدافع الذي حفزه للقيام بهذا العمل، قد حكم عليه بالإعدام إلا أن الحكم لم ينفذ أبدا. في حين أن العديد من الشبان الموصوفين بالإرهابيين قد تم إعدامهم بعد الحكم الصادر ضده بكثير...

إن لجنة التحقيق لم تنكب على بحث الأسباب التي جعلت بومعرافي يوجد داخل القاعة في حين أن ذلك لا يدخل ضمن مهام وصلاحيات عناصر(م.ت.خ/GIS)، حيث أن ذلك من صلاحيات أعضاء مصلحة الأمن الرئاسي (م.أ.ر/SSP) وحدهم الذين كان لهم الحق في الدخول، كما أن اللجنة لم تفسر الاختلالات الملاحظة في ذلك اليوم.

إن العديد من المقالات والكتب التي تناولت هذا الموضوع قد بيّنت العديد من التناقضات الواردة في الرواية الرسمية، لا اعتقد بوجود جزائري واحد غير مقتنع بأن مدبري هذا العمل الشنيع هم بكل تأكيد أصحاب القرار العسكريين الذين يمكن كشفهم بأي لجنة تحقيق محايدة، وكذلك دون تكرار ما كان قد قيل أو كتب أريد أن أورد بعض العناصر من المعلومات التي اطلعت عليها مباشرة والتي يمكن أن تنير الطريق أمام مثل هذه اللجنة لو يقدر لها يوما أن تظهر إلى الوجود.

وواضح هنا منذ البداية بأن الملازم لمبارك بومعرافي لم يكن أبدا من المتعاطفين مع (ج.إ.إ/FIS)، فلم يكن لا إسلاميا، ولا مختلا عقليا ولا ضائعا ولا لامعا، فهو لا يعدو كونه مكلف بمهمة، منفذ لأوامر معينة تلقاها من رؤسائه الكبار في تسلسل الرتب دون أن يكون رئيسه المباشر (حمو بلويزة) على علم بهذه العملية. ومن جهة أخرى فإن دعاية (ق.إ.أ/DRS) المترددة في الصحف حينها جعلت من بومعرافي "ابن حركي" وهو ما كان غير صحيح بالمرة، ذلك أن ابن الحركي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل للخدمة في الجيش كمحترف بصفة عامة، فضلا على أن يقبل في المخابرات على وجه التحديد! وزيادة على ذلك قد زاول تعليمه في مدرسة أشبال الثورة بالقليعة التي لا يمكن لابن حركي أن يقبل هناك على الإطلاق. لقد عرفت شخصيا بومعرافي وقد كان ضمن فوج النقيب عبد القادر خيمان الذي كان من معارفي القديمة (لقد انتدب ليخدم تحت أوامري من 1980 إلى 1982 عندما كان يجتاز فترة التطبيق كضابط في الفيلق 52، ثم في فيلق القيادة (إدارة ودعم الفرقة الخمسين، للمشاة المنقولين، وهذا العريف القديم هو اليوم برتبة عقيد).

أستطيع – إذن- أن أجزم بأن بومعرافي ضابط كفؤ همش عن قصد لتكييفه ودفعه إلى أن يصبح قتالا دون إحساس. فمن يناير إلى جوان 1992 أحيل بومعرافي، رغم كفائاته العالية إلى مهام المراقبة في سيدي موسى (فيلا تابعة للأمن العسكري تستخدم كمكان للاتصال، وقد عهد بحراستها (م.ت.خ/GIS) ولم يشارك في أية عملية من العمليات التي قامت بها وحدته. ومن ثمة لم يكن يقبض علاوة المخاطرة (وهي عمليا تساوي مبلغ راتبه الشهري) ولقد كان بومعرافي ورفقائه في سيدي موسى عرضة لتحرش "جماعات أصولية" كل ليلة، مع أنه لم يحصل أن قتل أو جرح أي عضو من (م.ت.خ/GIS) طوال هذه الأشهر الستة (باستثناء الملازم طارق في عملية تيليملي) فقد أصبحت هذه الحالة لا تطاق لا سيما أن غالبية رفقائه من (م.ت.خ/GIS) كانوا في أماكن آمنة سواء في شاطوناف أو في بوزريعة 119.

ومثلما سبق أن قلت، ففي يوم 29 جوان 1992 وبعد ساعتين فقط من اغتيال الرئيس شاركت في اجتماع ضم : المسؤولين الرئيسيين لـ (ق.إ.أ/DRS) في دالي براهيم، بحضور الجنرال خالد نزار وزير الدفاع الذي طلب منا الدعم والمساندة الكاملة، وعدم الخذلان من إطارات جهاز المخابرات، كي يتمكن من مواصلة " مهمته". وكونه قد حرص في تلك الظروف على الاجتماع أولا بمسؤولي (ق.إ.أ/DRS) قبل الاجتمـاع بمسؤولي الجيش فذلك يدل على الأهمية التي كان يوليها لتأييـدهم، خاصة أنه قد عهد إلى (ق.إ.أ/DRS) تنفيذ "خطة العمل" التي كان قد وضعها سنة 1990.

وكون تصفية بوضياف من فعل أحد إطارات (ق.إ.أ/DRS) فإن حضوره يسمح كذلك "برص" صفوفنا حتى لا يكون هناك تسرب ولا احتجاج. وخلال هذا الاجتماع